السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
168
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
الملك يبقى مع الكفر والمعاصي ، ولا يبقى مع الظلم والجور . وهذان أي قول الفقهاء والمثل مأخوذان مما رواه الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والديلمي عن جرير قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية ( وَما كانَ رَبُّكَ ) إلخ ، فقال : وأهلها ينصف بعضهم بعضا . وأخرج هذا الحديث ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق عن جرير موقوفا ، ولم أقف على صحته . قال تعالى « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ » يا أكرم الرسل « لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً » على دين واحد وشريعة واحدة ، لكنه جل أمره لم يشأ ، كما أنه تعالى قال ( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) الآية 13 من سورة السجدة الآتية ، ولكنه لم يشأ أيضا ، إذ لا يفعل أحد الطاعة إلا بمشيئته ورضاه ، ولا يقدر على فعل المعصية إلا بمشيئته وقضاه ، ولهذا قال « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » باعتقادهم أديانا شتى وشرائع مختلفة وعبادات متباينة « إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » منهم ، فإنهم يتفقون على دين واحد وعبادة واحدة وشريعة واحدة ، كما يأمرهم نبيهم وكتابهم المنزل إليه من ربهم « وَلِذلِكَ » لأجل بقائهم مختلفين « خَلَقَهُمْ » ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير كما هو في علمه الأزلي ، لأن الخلق من توابع الإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه ، والتعذيب والإثابة ليس إلا لأمر أفيض على المعذب والمثاب بحسب الاستعداد الأصلي ، وربما يرجع هذا في الآخرة إلى أن التعذيب والإثابة اللذين هما من توابع ذلك الاستعداد الذي عليه المعذب والمثاب في نفسه ، ومن هنا قالوا إن المعصية والطاعة أمّارتان على الشقاوة والسعادة لا مقتضيان لها ، فيندفع قول القائل بأنه إذا كان خلقهم لذلك فلم يعذبهم ، واستدل في هذه الآية على أن الأمر غير الإرادة ، وأنه تعالى لم يرد الإيمان به من كل ، وأن ما أراده سبحانه بحسب وقوعه ، وقدمنا في الآية 12 من سورة يونس المارة ما يتعلق في هذا البحث فراجعه . وذكر بعض العارفين أن منشأ تشبيب سورة هود له صلى اللّه عليه وسلم اشتمالها على أمره بالاستقامة على الدعوة مع إخباره بأنه سبحانه إنما خلق الناس للاختلاف ، وأنه لا يشاء اجتماعهم على دين واحد ، وقد حقت « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ » على ذلك الوجه ، ونفذ قضاؤه بالوعد للسعداء بالجنة ، والوعيد للأشقياء